— الاعتماد على تحويل لاعبي خط الوسط إلى أظهرة يعكس تطورًا تكتيكيًا يهدف إلى فرض سيطرة أكبر على مجريات اللعب.
قبل 32 عامًا، كان روماريو دا سوزا فاريا، أحد أفضل المهاجمين خلال السنوات الخمسين الماضية، قد أوضح أن “كرة القدم تُرى بعيون كرويف”. وكان ذلك في حديثه مع الصحفيين المخضرمين في صحيفة “إل باييس”، رامون بيسا ورافائيل كاربونيل، وهي رؤية لا تزال تحتفظ بقيمتها الاستثنائية حتى اليوم، على الأقل في برشلونة. يوهان كرويف كان يمنح الأولوية للاعب الموهوب والذكي، وكان يؤمن بأن المباريات تُحسم في خط الوسط. وبيب غوارديولا تبنى الفلسفة نفسها، فتحول برشلونة إلى مرجع عالمي في كرة القدم. واستمر هذا النهج حتى اليوم، مع بعض التعديلات التي فرضها تطور اللعبة، لكن مع حقيقة لا جدال فيها، وهي الأهمية الكبيرة لدور الأظهرة الذين يمتلكون عقلية لاعبي خط الوسط.
فارينياس، أحدث المنضمين
تشافي إسبارت، الذي انضم من فيلاسار عندما كان في الثامنة من عمره، نشأ لاعبًا في خط الوسط، لكنه خاض بالفعل 15 مباراة مع الفريق الأول في مركز الظهير. وحتى إصابته أمام ريال مدريد، كان أحد أبرز مفاجآت الموسم. وبريان فارينياس كان بدوره لاعب وسط متميزًا، بعدما انضم من فياريال في سن الثانية عشرة، قبل أن يسجل هذا الأسبوع ظهوره الأول مع الفريق الأول… في مركز الظهير الأيمن.
أمام ألافيس، بلغ عدد تدخلاته ولمساته في اللعب 114، بنسبة نجاح في التمرير وصلت إلى 97.5%، بينما بلغت دقة تمريراته أمام أستون فيلا 93.6%. ومع الكرة، يمثل عنصر أمان حقيقيًا، حتى عندما يتحرك في الثلث الأخير من الملعب. وبالنسبة إليه، لم يكن الأمر سوى يوم عمل عادي، فهذا ما اعتاد القيام به طوال حياته. لكن الفارق هذه المرة كان وجود زملاء أفضل، مثل لامين يامال وفيرمين لوبيز، اللذين مرر إليهما 41 و25 كرة على التوالي خلال المباراتين. وبعبارة أخرى، فإن بريان شريك جيد لكليهما.
الأظهرة العصرية
إسبارت وفارينياس يمثلان الطريقة الجديدة لفهم كرة القدم انطلاقًا من مركز الظهير. وبيب غوارديولا كان صاحب إعادة تنظيم هذا المركز وفق منطقه التكتيكي الاستثنائي.
فكرته قامت على ثلاث مسائل أساسية. الأولى أن الاحتفاظ بالكرة باعتبارها كنزًا حقيقيًا يفرض العناية بها منذ بداية بناء اللعب. وبما أن الخروج بالكرة عبر قلب الدفاع ينطوي على مخاطرة كبيرة، فإن الحل المنطقي هو الاعتماد على الأظهرة، وهو ما يتطلب لاعبين يتمتعون بمهارات فنية جيدة في التعامل مع الكرة. وفريق الأحلام سبق أن جرب هذا التوجه مع أوزيبيو ساكريستان، على سبيل المثال، في قرار أثار جدلًا واسعًا آنذاك، لكنه يعزز اليوم، مرة أخرى، مكانة يوهان كرويف.
الفكرة الثانية تأتي في صورة مجموعة من الأسئلة: من الأفضل هجوميًا، المدافع أم المهاجم؟ من الواضح أنه المهاجم. فلماذا يتقدم المدافع على الرواق ويدفع المهاجم إلى العمق، حيث تتقلص المساحات ويتشكل ازدحام شديد؟ وهناك سؤال آخر: من الأفضل دفاعيًا، المدافع أم المهاجم؟ بلا شك، المدافع. فلماذا يُطلب من المهاجم اللعب في العمق، بينما تكون الكرة عادة في المناطق المركزية عند تنفيذ الضغط الأول بعد فقدان الاستحواذ؟ ومن هنا، يصبح من المنطقي أن يهاجم المهاجم في المساحات الأكثر اتساعًا، وأن يتولى المدافع مهمة استعادة الكرة عندما يفقدها الفريق.
أما المسألة الثالثة، فتتعلق بأن اللعب في العمق يتطلب إتقان الآليات اللازمة لتجنب فقدان الكرة، والقدرة على قراءة الموقف واتخاذ القرار الصحيح بشأنها في كل لحظة. ومن الأفضل لأداء هذا الدور من لاعب اعتاد القيام به طوال مسيرته في الفئات السنية؟ بالطبع، لاعب خط الوسط، ذلك اللاعب الذكي الذي يفهم اللعبة ويمتلك الموهبة والذكاء والخبرة التي تجعله يشعر براحة كبيرة مع الكرة وفي هذا المركز.
اللاعبون المفضلون لدى فليك
مدرب برشلونة، الذي يقترب في هذا الجانب من أفكار غوارديولا، يجد ضالته في لاعبين مثل تشافي إسبارت وجواو كانسيلو، أو بريان فارينياس في الوقت الحالي، وهم مدافعون بعقلية لاعبي خط الوسط. وإلى جانب الاستمرارية التي يمنحونها للعب عند الاستحواذ على الكرة، يمتلك كانسيلو ثلاثة أهداف وتمريرتين حاسمتين، كانت آخرهما إلى لامين يامال السبت الماضي، بينما سجل تشافي إسبارت هدفين، أحدهما رائع للغاية في شباك باريس سان جيرمان بالعاصمة الفرنسية، إضافة إلى تمريرتين حاسمتين.
إريك غارسيا يحظى أيضًا بإعجاب كبير من فليك، فهو لاعب من الطراز الأول في قراءة اللعب، وسبق استخدامه في مركز لاعب الوسط المحوري. وفي حالة اللاعب المنحدر من مارتوريل، تضاف إلى ذلك قدراته الدفاعية التي تتفوق بفارق كبير على قدرات زملائه الثلاثة المذكورين. ومع ذلك، فإن تعدد المراكز التي يستطيع هؤلاء اللاعبون شغلها يمثل ميزة يقدرها فليك لدى جميعهم.
حالتا كوندي وبالدي
ومع ذلك، فإن الموسم الحالي يبدو وكأنه يتجاوز جول كوندي وأليخاندرو بالدي، اللذين أصبح مستقبلهما غير واضح. وأي عرض جيد خلال فترة الانتقالات الشتوية قد ينتهي برحيل اللاعبين معًا عن برشلونة.
فما الذي حدث هنا؟ ولماذا أصبح الظهيران الأساسيان في مشاريع هانسي فليك الأولى خارج دائرة الاهتمام؟ وبعيدًا عن السلوكيات الفردية التي لا نستطيع من هذا المنبر التشكيك فيها، لأن الصحافة لم تعد قادرة منذ سنوات طويلة على متابعة التفاصيل اليومية للتدريبات، فإن مشكلة اللاعبين تكمن في تطور النظام التكتيكي وطريقة أدائهما الكروي داخله.
جودة كوندي يؤكدها زين الدين زيدان في المنتخب الفرنسي، حيث لا يزال اللاعب عنصرًا ثابتًا في التشكيلة. لكن فليك يطالبه في برشلونة بأداء دور هجومي يصعب عليه تنفيذه بالنظر إلى خصائصه. والوضع نفسه ينطبق على بالدي. فعندما كان النظام التكتيكي للمدرب الألماني غير متماثل بين الجانبين، وكان الظهير هو المسؤول عن توفير العرض والعمق الهجومي على الجهة اليسرى، أدى بالدي دوره على أكمل وجه، بل أبدت بعض الأندية الأوروبية الكبرى اهتمامها بخدماته. وكان صاحب القميص رقم 3 في برشلونة يستغل قدراته البدنية الهائلة لاختراق الخطوط عبر التقدم بالكرة، بل والوصول إلى الخط النهائي للملعب وتقديم التمريرات الحاسمة لزملائه. وكانت تلك الفترة التي ينطلق فيها رافينيا من الجناح قبل التحرك نحو العمق، ما يخلق مساحات خلفه تسمح بتقدم بالدي.
لكن فكرة فليك التكتيكية تطورت، وأصبح يريد من الجهة اليسرى تقديم الأدوار نفسها التي تؤديها الجهة اليمنى. ولهذا، تعاقد مع جناحين صريحين مثل أنتوني غوردون وكريم أديمي، اللذين أغلقا المساحات التي اعتاد بالدي الركض فيها. ولو حاول الآن القيام بالتحركات نفسها، فسيصطدم باستمرار بزميله. وكما أوضحنا سابقًا، فإن دور الظهير تغير، وأصبح مطالبًا بالدخول إلى وسط الملعب لخلق تفوق عددي من خلال اللعب التموضعي، والتعامل مع الاستحواذ بدقة جراحية رغم ضيق المساحات. وبالدي يحتاج إلى الركض واستغلال المساحات، ولهذا يريد فليك لاعبًا بمواصفات مختلفة في هذا المركز.
الموسم طويل
ورغم كل ما سبق، وما دام ديكو لم يعلن أي مستجدات، فإن الفريق لا يزال بحاجة إلى كوندي ضمن سياسة المداورة، كما أن بالدي، الذي بدا وكأن مصيره قد حُسم، شارك لدقائق في المباريات الأربع الأخيرة. والموسم شاق للغاية بالنسبة إلى برشلونة، ولذلك سيكون من الأفضل للاعبين الحفاظ على جاهزيتهما تحسبًا لحاجة المدرب إليهما، بينما سيكون من الأفضل لفليك توزيع دقائق اللعب من أجل محاولة إنهاء الموسم بتحقيق الأهداف المنشودة.
(المصدر : صحيفة سبورت)


